تفكيك استراتيجية النظام الإيراني في إدارة الأزمات المضبوطة
بالنسبة إلى الديكتاتورية الدينية الحاكمة في إيران، فإن عقيدة «لا حرب ولا سلام» ليست استراتيجيةً دبلوماسية، بل هي آلية للبقاء.
فمن خلال الإبقاء على حالةٍ دائمة من التوتر المحسوب، يتجنب النظام النتيجتين اللتين يخشاهما أكثر من أي شيء آخر: سلامٌ دائم يفرض الشفافية ويُسقط الأسس الأيديولوجية التي يقوم عليها نظامه الأمني، أو حربٌ حاسمة قد تفضي إلى نهايةٍ لم يخترها. غير أن هذه المنطقة الرمادية التي صُنعت بعناية تزداد هشاشةً يوماً بعد يوم. وبينما يحاول النظام إدارة هذا المأزق الذي صنعه بنفسه، تنكشف نقطة ضعف استراتيجية لا ترتبط بالمفاوضات الخارجية ولا باستعراض القوة العسكرية، وإنما تنبع من تحدٍّ داخلي يتمثل في وجود مقاومة منظمة ومتماسكة تمثل التهديد الوجودي الحقيقي للنظام، وهي العامل الذي يسعى إلى احتوائه بكل ما يمتلكه من أدوات وقدرات دبلوماسية.
الانقسام الاستراتيجي
خلف الصورة التي يحرص النظام على إظهارها بوصفها وحدةً متماسكة للمؤسسة الدينية الحاكمة، تكمن حالةٌ عميقة من الضعف والشلل الاستراتيجي. فعلى الصعيد الدولي، يحاول النظام إقناع الغرب بأنه خرج من الحرب أكثر قوةً لأنه نجا من السقوط الفوري. غير أن الواقع يسير في الاتجاه المعاكس تماماً. فوفاة علي خامنئي، ومقتل عدد من الشخصيات المحورية في النظام، واتساع الانقسام داخل النخبة الحاكمة، والانهيار الاقتصادي، وتصاعد الغضب الشعبي في إيران، كلها عوامل وضعت النظام في واحدة من أضعف مراحله على الإطلاق.
وينعكس هذا الضعف في الانقسام الداخلي حول كيفية ضمان بقاء النظام. فهناك تيار ما زال متمسكاً بعقيدة خامنئي القائمة على الرفض المطلق، ويرى أن أي تراجع في الملف النووي سيشجع الخصوم الخارجيين على زيادة الضغوط، ويمنح المعارضة الداخلية زخماً أكبر. ومن وجهة نظر هذا التيار، فإن التخلي عن القدرة على إنتاج سلاح نووي سيكسر العمود الفقري الأيديولوجي للنظام، ويقوض معنويات أجهزته الأمنية ووكلائه الإقليميين، ويجعل الدولة مكشوفةً أمام الأخطار بصورة قاتلة. ولذلك، فإن التفاوض الحقيقي، في نظرهم، ليس دبلوماسية، بل انتحاراً مؤسسياً.
يرى تيارٌ آخر داخل النظام أن استمرار حالة العداء الدائم لا يقل خطورةً عن التراجع. فهذا التيار يدرك أن مواصلة الصدام مع الغرب ستؤدي، عاجلاً أم آجلاً، إلى أحد مسارين: مواجهة عسكرية مباشرة أو حصار اقتصادي شامل. وهذا الخنق الاقتصادي من شأنه أن يفجر التوترات الاجتماعية، ويُضعف ما تبقى من القاعدة الاجتماعية للنظام، ويمهد لاندلاع «انتفاضات الجياع»؛ وهي انتفاضات واسعة يغذيها الفقر المتفاقم وانهيار الأوضاع المعيشية. ولأن كلا التيارين يستند إلى تشخيص يحمل جانباً من الحقيقة، فقد انتهى الأمر إلى سياسة مشلولة تقوم على الإبقاء على حالةٍ من الجمود المصطنع والمصحوب بالعنف.
ويزداد هذا الشلل خطورةً بالنسبة إلى النظام في ظل وجود شبكة مقاومة منظمة تمتد على مستوى البلاد، تتمثل في وحدات المقاومة التابعة لمنظمة مجاهدي خلق. فالتوسع المستمر في نشاط هذه الوحدات يشير إلى أن أي انتفاضات مقبلة قد تكون أوسع نطاقاً، وأكثر تنظيماً، وأشد تهديداً للنظام من موجات الاحتجاج السابقة.
وهم الردع والتهديد الداخلي
إن نفور النظام العميق من اندلاع حرب حاسمة لا يعود إلى حرصه على ضبط النفس عسكرياً، بل إلى خوفه من تداعياتها الداخلية. فطهران ترى أنه إذا انهارت المنطقة الرمادية الحالية وتحولت إلى حرب مفتوحة وطويلة الأمد، فإن اهتمام المجتمع الدولي لن يقتصر على إضعاف القدرات العسكرية للنظام، بل سيتحول حتماً إلى معالجة أصل المشكلة، أي النظام نفسه.
وهنا تكمن نقطة الضعف الحقيقية للنظام. ففي أي حسابات جادة تتعلق بتغيير النظام، تتراجع سريعاً البدائل الموجودة في الخارج والتي تفتقر إلى القدرة العملياتية ــ مثل رضا بهلوي ــ لتخرج من المعادلة. وعندئذٍ سيتجه الاهتمام مباشرة إلى القوى التي تمتلك قدرة قتالية حقيقية، وبنية تنظيمية متماسكة، وحضوراً ميدانياً فاعلاً داخل إيران.
إن هذه المقاومة المنظمة لا تنتظر اندلاع حرب خارجية كي تكتسب أهميتها، بل هي قوة مستقلة ومعبأة تمارس دورها بالفعل في تعميق أزمات النظام الداخلية. ولذلك يتجنب النظام الحرب بالقدر نفسه الذي يتجنب به السلام، لأن أي كسرٍ لحالة الجمود القائمة سيمنح هذه القوى والمجتمع المتحرك من حولها مساحةً أوسع للتأثير، ويضاعف قدرتها على تهديد بقاء النظام.
اللعبة التكتيكية لكسب الوقت
بعد أن وجد النظام نفسه عالقاً بين خيارَي الاستسلام والانهيار، لجأ إلى نمطٍ بالغ الدقة من التصعيد المحسوب يعقبه خفضٌ شكلي للتوتر.
وتقوم هذه الاستراتيجية على الأداء والاستعراض أكثر مما تقوم على تحقيق نتائج حقيقية؛ إذ يعمد النظام إلى تنفيذ هجمات محدودة بالطائرات المسيّرة والصواريخ لإظهار القوة وطمأنة التيار المتشدد في الداخل، ثم يسارع إلى إرسال مبعوثيه عبر القنوات الخلفية حاملاً وعوداً بالمرونة، بهدف تجميد عملية اتخاذ القرار الاستراتيجي لدى الدول الغربية.
وليس الهدف من ذلك التوصل إلى اتفاق شامل، بل كسب المزيد من الوقت. ويراهن النظام على اتساع الهوة بين ضفتي الأطلسي، كما يراهن على تطورات المشهد السياسي في واشنطن ــ بما في ذلك انتخابات التجديد النصفي للولايات المتحدة واحتمال انقسام الكونغرس ــ على أمل أن يؤدي ذلك إلى إضعاف الإرادة الدولية.
ومن خلال إطالة أمد المفاوضات، يأمل النظام أن يفقد المجتمع الدولي وحدته وحزمه، بما يسمح له بالحصول على مزيد من التنازلات، مع الإبقاء في الوقت نفسه على شبكاته الإقليمية وأنشطته الإرهابية فاعلةً دون انقطاع.
الحقيقة الكاشفة
إن إصرار النظام على إسكات المقاومة المنظمة يشكل، في حد ذاته، مؤشراً بالغ الدلالة أمام المجتمع الدولي. ففي جميع جولات التفاوض، من مسقط إلى جنيف، يحرص ممثلو طهران على طرح مطلب يتكرر بصورة لافتة: فرض الرقابة على المقاومة الإيرانية المنظمة، ومحاصرتها، وتهميشها، والعمل على عزلها سياسياً وإعلامياً.
وينفق النظام من رصيده الدبلوماسي والاستخباراتي في سبيل تحييد هذه الشبكة الداخلية أكثر مما ينفقه في مواجهة التهديدات العسكرية الخارجية.
وهذا السلوك يكشف حقيقةً مهمة؛ إذ يدل على أن الجهة التي يبذل النظام أكبر جهد للقضاء عليها هي، في الواقع، المتغير الأكثر تأثيراً في مستقبله الاستراتيجي.
وفي الوقت الذي ينشغل فيه المجتمع الدولي بالنقاش حول ثنائية «الحرب أم الدبلوماسية»، فإن ممارسات النظام نفسه تثبت أن التهديد الحقيقي لبقائه ليس أياً منهما، بل يتمثل في تلك الحركة الداخلية المنظمة التي تعمل بصورة متواصلة على تقويض أسس شرعيته.
ومن ثم، فإن مناورات طهران ليست مجرد استجابة للسياسات الغربية، بل هي محاولة يائسة لاحتواء حركة مقاومة داخلية أخذت بالفعل تنزع، بصورة منهجية، الأسس التي يستند إليها النظام في ادعاء الشرعية والبقاء.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق